محمد بن الطيب الباقلاني

164

الإنتصار للقرآن

الاجتماع عليها والاشتراك فيها كتب عليهم ، فامتنع من ذلك على وجه إيثار التخفيف عن الأمة ، وقد يمكن أيضا أن يكون عنى بقوله : « خشية أن تكتب عليكم » أنني أخاف أن يظن ظانّ بعدي من خليفة وإمام أنّها واجبة في شريعتي لمداومتي عليها فيلزمكم إيّاها ويأخذكم بها وبالقول إنها مفروضة في الدين ، وما قلناه أولا أقرب ، لأن إطلاق القول إنها تكتب وتفرض عليكم إنما يعقل منه أن يكتبها ويفرضها من له - تعالى - تعبّد خلقه وتكليفهم وامتحانهم ، دون من ليس له ذلك ممن يظنّ أن اللّه قد فرض وكتب على خلقه ما يدعوهم هو إليه ، وكل هذه الأسباب مأمونة بعده صلّى اللّه عليه ، وفي إقامتها والاجتماع عليها ولها من الفضل والانتفاع بها ما قدّمنا وصفه ، فبطل بذلك جميع ما توهّموه قادحا في فضيلة عمر بهذا الباب وإضافة بدعة إليه ، وأنّه شرع في الدين ما ليس منه . فإن قال قائل : جميع ما ذكرتموه من أخبار الرسول صلّى اللّه عليه في الحثّ على حفظ القرآن وإقرائه له ، الشهادة الحق ، وكلمة التوحيد ، وتعليمه إياه كلّ داخل في الإسلام ، وقراءته على الوفود أيام المواسم ، وحفظ خلق من أهل الكفر لكثير منه ، فضلا عن المسلمين بحفظ النساء والصبيان له ، وإنفاذ رسول اللّه صلّى اللّه عليه خلفاءه ودعاته به إلى البلاد ، وسبق الأنصار [ 85 ] بحمله إلى المدينة قبل الهجرة ، وحصول قرّاء له عندهم ومنتصبين / لإقرائه الناس قبل مهاجره وظهور تسمية حفّاظه بأنهم أهل القرآن ، وأهل سورة البقرة ، ووجوب توافي همم أهل الصّفّة على حفظه ، وتشاغل سائرهم به دون غيره ، ومما روي من تغليظ القول في نسيانه بعد حفظه ، وشدة تفلّته وعظيم المأثم في تركه ، إلى غير ذلك مما أطنبتم في ذكره ، يقتضي في مستقرّ العادة وتركيب الطبيعة وما فطر الناس عليه أن يكون في الصحابة خلق